العلاقات مع البدو

 

صورة تعبيرية


سادساً- العلاقات مع البدو :  تقع القريتين على حدود بادية الشام الغربية, ولأهلها علاقات وثيقة مع البدو, فالبدو يترددون إليها لشراء حوائجهم وبيع ما يودون بيعه من سمن ولبن وجبن وصوف ووبر وماشية, ولقد كانت القريتين وما جاورها من مناطق مثل الباردة والمحسة والبصيري والعليانية والجباة وحفير وغيرها (4) مناطق اصطياف محببة للبدو ولاسيما الرولة, حيث كان شيخهم فواز الشعلان يضرب مخيمه على وادي العين ( أم القلائد ) (5) وكذلك كان قبله أبوه نواف وجده النوري (6), فمن المعروف إن ارتحال البدو من مكان لآخر أو ما يسمى بالانتجاع أمر مفروض طلباً للماء والمرعى, ولاسيما في مواسم الشتاء والصيف وهو ما يسمى بالتشريق والتغريب عند البدو, ففي الشتاء حيث الْخَبْرات والغدران الممتلئة بمياه الأمطار في قلب البادية تجعلهم يتنقلون في أرجائها, وفـي الصيف عندما تقل المياه, ويشتد الحرّ, يقصد البدو الأراضـي المجاورة للمعمورة ( قرى سيف الصحراء ) ومنها القريتين, ومن هنا كانت العلاقة مع البدو منذ القدم .


ولا بد قبل التحدث عن هذه العلاقة أن نبين الصفات التي تميز البدوي, والتي طبعت هذه العلاقات بطابع فيه السلبية أحياناً والإيجابية فـي معظم الأحيان, وهي صفات تحدث عنها الكثيرون من الباحثين العرب والأجانب حتى من البدو أنفسهم منذ القديم وحتى الآن, فمثلاً ابن خلدون المتوفى ( 807 ) هـ وصفهم في مقدمته بالتوحش والنهب والخراب فقال: 


 ( وهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليـها الخراب لأنهم أمة وحشية, باستحكام عوائد التوحُّش وأسبابه فيهم, فصار لهم خلقاً وجبلة, وكان عندهم ملذوذاً لما فـيه من الخروج عن ربقة الحكم و عدم الانقياد للسياسة, وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له, فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتغلب, وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومنافٍ له, فالحجر مثلاً إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي القدر فينقلونه من المباني, و يخربونها عليه و يعدونه لذلك, والخشب أيضا إنما حاجتهم إليه ليعمدوا به خيامهم, ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخربون السقف عليه .. وأيضاً فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس .. وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدٍّ ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه )( 7 ), ولكنه يصفهم بأنهم أسرع الناس قبولاً للحق, وهم أقرب للشجاعة, وإذا كان ابن خلدون متحاملاً عليهم كغيره ممن تحدث عن البدو ولم ينصفوا, فهناك الكثيرون من الكتاب المنصفين لهم مثل عباس العزاوي وانستانس الكرملي وأديب وهبه وحافظ وهبه وخيرالدين الزركلي وجبرائيل جبور ... وغيرهم, حيث وصف هؤلاء البدوي بالصدق والصراحة والشمم والعفة والكرم والشجاعة وحماية الجار والنزيل وغيرها من الصفات الحميدة, إلا أن هؤلاء المنصفين تحدثوا عن الغزو, والذي يذكره كبار السن في القريتين ولاسيما قبل الاستقلال, وهو ما تحدث عنه الدكتور جبرائيل جبور( 8 ) الصورة رقم ( 15 ) والذي عاش تلك المرحلة, وكتب عنها في كتابه ( البدو والبادية ) ص 13, فهو يتحدث عن القريتين فيقول:


( وكانت شأن كلّ القرى على ضفاف البادية عرضة في بعض الفصول لهجمات بعض القبائل المعادية أو القوم – كما يسمونهم – فتمرس شبانها على ردّ الغزو ومحاربة البدو واستطاعوا بقوتهم وكثرة عددهم من الوقوف حائلاً دون سيطرة البادية, فلم يجرؤ أحد من غزاة البدو أن يدخل القرية عنوة لينهب شيئاً منها أو يبلغ ضواحيها القريبة, ولكن لأهل القرية ماشية كثيرة من البقر والحمير والغنم والماعز, وكان رعاة هذه الماشية يسيمونها أحياناً مراعي بعيدة عن القرية, فكان البدو من القبائل المعادية يغزون منطقتنا ويسطون على بعض هذه الماشية ويسوقونها نهباً أمامهم إلى البادية, فينفر الأهلون حين يبلغهم الخبر ويهرعون لاسترداد ماشيتهم من القوم, وقد يصحبهم بعض الجند أحياناً, وتنشب المعارك حين يلتقي النفير بالغزاة, وكثيراً ما كان أهل القرية يبدون من البسالة والشجاعة ما يدفع إلى سقوط بعض القتلى في مثل تلك اللقاءات ) ويتابع قائلاً: ( وقد أدرك أهل البادية السورية بعد اختبار طويل أن أهل هذه القرية واسمها القريتين قوم أشداء ), ومع كلّ ذلك اضطر أهالي القريتين ما بين عامي 1907 – 1914 م إلى دفع الخوّة ( 9 ) لشيوخ القبائل المتواجدة في المنطقة كباقـي القرى فيها (10 ), لقاء حمايـة هؤلاء الشيوخ لأبناء القريتين أثناء مسيرهم فـي البادية ولاسيما في زمن اضطرب فيه حبل الأمن في البادية السورية, وكان هؤلاء البدو يأخذون إتاوات من القوافل المارة من الشام إلى العراق وكأنهم سلطة كما ذكر بركهارت في رحلته سنة 1224هـ, في وقت كانت الدولة العثمانية (الرجل المريض ) فيه غير قادرة على حماية أحد, بل كانت نفسها تدفع لعشائر قبيلة عنزة المسيطرة على بادية الشام الأموال لقاء حماية قوافل الحج وعدم التعرض لها,         ( فكان لكل شيخ عشيرة بل أحياناً لكل أسرة فيها مبلغ من المال, يتفاوت مقداره حسب قوة هذه الأسرة وتعداد رجالها, ويعطى لهم سنوياً ويسمى( الصرّ ), وكان مركز توزيع الصرّ فـي سورية فـي محطة مزيريب )( 11) وكان يدفع نصفه لدى ذهاب قافلة الحج, ونصفه لدى عودتها, وأحياناً تمتنع الدولة عن دفع النصف الثاني للبدو فيهاجم هؤلاء القوافل وغيرها.


ولكن في المقابل وبعد استتباب الأمن في هذه المنطقة, وبسط الدولة سيطرتها على البادية, وتشكيل قوات حرس البادية ( الهجانة ), ووجود مخافرهم في القريتين وتدمر والسبع بيار والضمير والتنف ودير الزور ... وغيرها, فإن العلاقة مع البدو أخذت طابعها الإيجابي, وأصبح البدو بحاجة إلى حماية الدولة لهم من أنفسهم, و (أصبحت القريتين سوقاً عامة لكثير من القبائل الموالية يترددون إليها, ويشترون من حوانيتها ما طاب لهم من السلع والمؤن اللازمة, وأصبحت التجارة مع البدو من مقومات الحياة الاقتصادية للقريتين, ومورد رزق لكثير من أهلها)(12) .


ومن هنا يلاحظ مقدار تأثر أهل القريتين بالبدو والبادية, فهناك علاقات وطيدة ووثيقة مع الكثيرين من أفراد القبائل البدوية ولاسيما الرولة والحسنة والفواعرة المتواجدين قرب القريتين, بل توجد علاقات تزاوج وصلة رحم مع الرولة, والكثير من هؤلاء البدو تركوا البادية وحياة البداوة, واستقروا في القريتين وتزوجوا من بناتها, وسكنوا فيها ومن هنا جاءت تسمية حارة في الحي الجنوبي باسم حارة العرب ( البدو ) وقد أصبحوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي والبشري, ولذلك هناك قبائل وعشائر في شبه الجريرة العربية والأردن لها امتداداتها ( أسر ) في القريتين ووجودهم فيها قد لا يتجاوز القرن من الزمن كآل العنقري والهلال والجدعان وعنيزان والضويهر والشراري والوادي والهيان والعواد ... وغيرهم,وهناك البعض الذي رجع إلى موطن آبائه وأجداده في السعودية حيث العمل والحياة الأفضل واستقر فيها كآل الخريجي والعنقري والقويعي والهلال ... وغيرهم, وأغلب هؤلاء لم ينسوا صلة الرحم والخبز والملح كما يقال فاستقدموا الكثير من شباب القريتين إلى السعودية نتيجة هذه الخؤولة ( نسبة إلى - الخال - أخي الأم ) وقد وجد هؤلاء الشباب فرص العمل والحماية هناك بفضل هذه القرابة واستفادوا كثيراً نتيجة ذلك .


 إن علاقات أبناء القريتين مع البدو ولاسيما الرولة تبدلت كثيراً بعد انتشار الأمن والاستقرار  والتخلص من الفقر والجهل وانتهاء مرحلة الغزو والتشليح وفرض الخوة بالقوة, وأصبحت كما قلنا علاقات مصاهرة ورحم, وكذلك الاحتكاك بالبدو له تأثيره الاجتماعي والثقافي والاقتصادي , وفيها فائدة كبيرة للطرفين .  







حواشي وإحالات :

4 - الباردة: مزرعة شرق القريتين قرب سد خربقة على طريق مناجم الفوسفات ( خنيفيس ) يمتلكها الشيخ نايف الشعلان, المحسّة: بئر كان يمتلكه جديع بن عرصان من عشيرة الرولة وتضم حالياً مشروعاً زراعياً تشرف عليه أكساد, البصيري: غزيرة المياه وتقع شرق القريتين بحوالي 50 كم, العليانية: قرب الباردة ومصدر للماء وفيها مساكن للبدو, الجباة: مزرعة ومصدر للماء شمال القريتين, حفيّر : مورد للماء جنوب شرق القريتين , والجباة والمحسة ملك لآل الفياض في السابق.

5- كتاب ( الحسنة حُماة الشنبل وأسود النقعة ) – حسن خضير المقبل, ص 22.

6- نوري الشعلان : نوري بن هزاع بن نايف الشعلان شيخ مشايخ الرولة من عَنَزة, ويعد من دهاة البادية, ولد عام 1847م وتوفي 1942م .


– مقدمة ابن خلدون – عبد الرحمن بن خلدون, ج 1, الفصل السادس والعشرون, ص 187.

8 - جبرائيل سليمان جبّور أبو سهيل (1900-1989) : الصورة رقم ( 15 ), ولد في القريتين1900م وتلقى تعليمه على يد والده في مدرسة القريتين الابتدائية التابعة للإرسالية الدنماركية وقبل الحرب العالمية الأولى تعلم في مدرسة حمص الثانية لكنها أغلقت خلالها , فعاد إلى القريتين ونشر مقالات في جريدة الأحرار باسم ( فتى البادية ) غطى فيها أحداث الثورة السورية في حمص والقلمون, ثم التحق عام 1919م بمدرسة سوق الغرب فــي لبنان ونال شهادة ( هاي سكول ) عام 1921 م ثم دخل الجامعة الأمريكية فتخرج منها 1925 م ثم درس بجامعة القاهرة على يد طه حسين وغيره ونال الماجستير عن كتابه عمر بن أبي ربيعة )دراسة تحليلية في ثلاثة أجزاء تبحث في عصره ، وحياته ، وشعره ) , والتحق بجامعة برنستون الأمريكية وحصل على الدكتوراه عن كتابه ( ابن الجوزي حياته ومؤلفاته ) .

هو من جيل : فيليب حتي وقسطنطين زريق والعلامة عبد الله العلايلي، والعلّامة الشهيد الدكتور صبحي الصالح، والعلّامة القاضي الدكتور صبحي المحمصاني ، والمؤرخ الفيلسوف الدكتور عمر فروخ.

تتلمذ عليه المئات من الأدباء والشعراء والنقاد والباحثين في الجامعة الأميركية في بيروت، كعمر فروخ، وإبراهيم طوقان، وعمر أبو ريشة، وكمال ناصر، وسلمى الخضراء الجيوسي، وخليل حاوي .

وخلال مسيرته الطويلة ألّف 12 كتابًا وحرّر 9، وترجم 6 كتب من الإنجليزيّة. ومن أشهر كتبه :

- البدو والبادية ..أشرف على تحريره نجله الدكتور سهيل جبور ط 1988م , عدد صفحاته 552 .

- عمر ابن أبي ربيعة ط1 |1935 م , ط2| 1981 م

- ابن عبد ربه وعقده ط 1979 م

- من أيام العمر . ط 1991م .

كما حقق وضبط : - الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة للغزي ط 1979م

– فضائل القدس لأبن الجوزي ط 1979 م

حصل الدكتور جبرائيل جبّور على وسام الأرز اللبنانيّ ثلاث مرّات ونال وسام المعارف المذهّب من الدرجة الأولى ووسام الأرز برتبة فارس.

من أقواله : (إذا لم تكن الحضارة في قلب الإنسان.. فلن تكون في أي مكان ) .

تقاعد عام 1970 م ومنح لقب أستاذ مشرف وتوفي عام 1989 م .

الصورة رقم ( 15 ) الدكتور جبرائيل سليمان جبور أبو سهيل 



9 - كان أهل القريتين خلال هذه الفترة يدفعون لشيوخ العشائر ما يزيد على ( 200 ) مجيدي سنوياً, أي أكثر من ( 1000) ليرة ذهبية كما جاء في الصفحة 282 من كتاب البدو والبادية للدكتور جبرائيل سليمان جبور.

10- كان أهالي صدد يدفعون الخوة لشيوخ العشائر كباقي قرى المنطقة لقاء الحماية, إلاّ أن الطريف في الأمر ما ذكره حسن خضير المقبل في كتابه ( الحسنة ) ص 197 و 198 من تسلط وتطاول حتى من أفراد من البدو على بعض القرى, فيذكر مثالاً على ذلك قصة صبيح المهدي من عشيرة العمور, وكان صبيح هذا يأخذ الخوّة من قرية صدد ومقدارها رطل من القهوة على كلّ فلاح يحرث الأرض, والذي لا يدفع يسلبه صبيح دابته التـي يحرث عليها, وفي إحدى السنين زاد صبيح في مقدار الخوة لتصبح رطلاً من القهوة وعباءة من الوبر على كلّ فلاح, فشكا أهل صدد أمر صبيح إلى سعود الملحم, فأحضر صبيح بين يدي سعود وقال له : إن أهل صدد في جيرتي, وعليك أن ترفع الخوة عنهم, وإن عدت إليها لأقطعن رجلك, وجيء بكاتب من أهل صدد اسمه ( إلياس ) ليكتب تعهداً على صبيح بتنازله عن الخوة, وكان صبيح شاعراً ملهماً سليط اللسان, فارتجل بين يدي سعود قصيدة أقنع فيها الشيخ سعود بحقه في الخوة كعرف سائد في تلك الفترة, فأخذ الشيخ الصحيفة ومزقها, وتخلى عن الجيرة رغم المكانة الخاصة لأهل صدد عند الحسنة.

11- كتاب ( الحسنة حُماة الشنبل وأسود النقعة ) – حسن خضير المقبل, ص 196 و 197.

12- البدو والبادية, جبرائيل جبور, ص 14.

أحدث أقدم