القهوة المرة

صورة ( 13 ) محماس القهوة بيده الطويلة وكذلك ملعقته
صورة ( 13 ) محماس القهوة بيده الطويلة وكذلك ملعقته


 رابعاً - القهوة المرة: هي مشروب الأجاويد, ومن ضروريات المضافة ( المنزول ) في القريتين, وأولويات إكرام الضيف, وهي تدل على كرم صاحبها, فيقال ( فلان فاتح منزولو للقريب والبعيد, وقهوتو ما بتنقطع لا بالليل ولا بالنهار ), ولذا تجد في منزوله عدتها كاملة , وهو يفتخر بها في بيت عتابا قائلاً : 


حِثل البُنْ مثل رجوم بانايْ    ريحة هيلْ بالديوانْ بانايْ
مححنا الحديد بحمس بانايْ    ولا كبرتْ منافسنا عَ الْصحـابْ

1- مبنية 2- ظاهرة 3- البـن 


والقهوة المرّة في القريتين تكون كثيفة, وتختلط حمرتها بسوادها, وهي من البن المطحون المضاف إليه الهيل (الهال) مما يجعل لها طعماً خاصاً, وتصبّ لترشف رشفة واحدة أي حوالي ملعقة كبيرة, وهي تختلف عن القهوة التي تقدم في دول الخليج والتي هي أقل كثافة ولونها أشقر لأن كمية الهيل فيها كبيرة بينما كمية البن أقل مما هو في القريتين ويضاف إليها ثلاث ملاعق صغيرة مطحونة الأولى من مسامير القرنفل والثانية من الزنجبيل والثالثة من الزعفران, وتصب إلى ما دون الخطّ الذهبي الدائري فـي أعلى الفنجان .

وطريقة صنع القهوة المرة بعد تحميص البن بالمحماص ويده الطويلة وطحنه بالجرن (المهباج) كما في الصورة رقم ( 13 ) ورقم ( 14) أو بمطحنة يدوية, تتم بأخذ (5) ليترات من الماء أو ما يعادل خمس زجاجات ( قنانـي ) لكل نصف كيلو غرام من البن المطحون, وتسكب على ثلاث دفعات, وتغلى لمدة نصف ساعة ثم تضاف حبات الهيل بعد طحنها ( حوالي 30 حبة ), ومن ثم على نار هادئة لمدة عشر دقائق حتى يترسب البن ( تركُد القهوة ), والبعض يأخذ حثالة القهوة, ويغليها, ويستعمل الماء المغلي (التشريبة ) في مرة أخرى, وهذا يقلل من البن المطحون, ويجعلها رائبة أكثر .

صورة ( 14 ) طحن البن في المهباج وطقم الدلال بمنزول روضان السعود
صورة ( 14 ) طحن البن في المهباج وطقم الدلال بمنزول روضان السعود 


وفي تسجيل جميل للمطرب الشعبي الراحل جرجس السطاح ( أبـي فواز ) على الربابة وصف لهذه القهوة المرّة وكيفية صنعها, ومعرفة جودتها من خلال قصيدة طويلة تنسب للشاعر محـمد بن عبد الله القاضي من عنيزة والمتوفى 1860م ،نقتطف منها هذه الأبيات ( كما رواها أبو فوّاز) : 



احمسْ ثلاثـاً يا نديمـي على سـاقْ    ريحهْ على جمـرِ الغضا يفضحْ السوقْ

ليـّا اصفرّ لونـهْ ثمْ بشّـت بالعراقْ    صفرةْ كما الياقـوتْ يطربْ لها الموقْ

إيـاكْ نيـاهـا, وإيـاكْ الحـراقْ    واصحا تصير بتالـي الحمسْ مطفوقْ

دقـها بنجـرٍ يسمـعهْ كلّ مشتاقْ    راعـي الهوى يطربْ إليا طقْ برموقْ

كبهـا بِـدلّـةْ مولعةْ كانّهـا سـاقْ    مربوبـةً منضـودةً تُقـل غرنـوقْ

وليـّا نقطْ بالصيـنـي تقولْ: شبراقْ    أو دمْ جـوفٍ وانمـلعْ منـو معلوقْ

ففي البيت الأول يطلب الشاعر من صاحبه أن يقوم بتحميص القهوة, وتكرار ذلك ثلاث مرات متتابعة ومن خلال رائحتها على جمر الغضا (شجر خشبه صلب, ولا ينطفئ جمره بسرعة) تعرفها هل جيدة أم رديئة, مما يكشف سوقها وبالتالـي جودتها . 

وفي البيت الثانـي يطلب منه أن يحمصها فإن اصفرّ لونها وتعرّقتْ كالياقوت المشرّب بالصفرة ولم تجف ويذهب صفاؤها فهي جيدة, وتسرّ العين بمنظرها, والمقصود بالموق بؤبؤ العين.

وفي البيت الثالث يحذره من أن تكون نيئـة أو محروقة, كما يطلب منه الانتباه في نهاية التحميص فلا يغفل عنها أو يرتعش .

وفي البيت الرابع يطلب منه أن يدقها بجرن القهوة ( المهباج ) فيسمع نغمته كلّ محبٍّ ومشتاقٍ لها فيطرب لهذه النغمة .

وفي البيت الخامس يقول له : ثم صبها بِدلـةٍ حارة مجلوة تشبه الغرنوق وهو خشف الغزال عندما يكبر قليلاً.

وفي البيت الأخير يقول: عندما تصبها في الفنجان الصيني يختلط سوادها بحمرتها كأنها دم جوف وقد خرج من شريانٍ مقطوع. 

والقهوة تستعمل في جميع المناسبات الاجتماعية والوطنية والأعياد وفي السهرات , ولمجالس القهوة في القريتين آداب واحترام خاص يلتزم بها من يسكبها ومن يشربها ومنها:

- في المثل يقال ( القهوة خص والشاي قص ) أي تصب القهوة أولاً للوالد أو لكبير الجلسة أو للضيف أو كبير الجاهة كرجل دين أو له مكانة مرموقة .. أي نخص شخصاً معيناً يستحقها, أما الشاي فيقدم على الدور من اليمين ولو كان أبو زيد على اليسار. وفي حالة الجاهة يقوم كبيرهم بوضع فنجان القهوة أمامه فلا يقوم بشربها وهذا يدل على أن له طلباً عند معازيبه فيعدهم المعزب بتلبية طلبهم فيقومون بشربها ثم تدار القهوة على الجميع . 

- يقدم الفنجان باليد اليمنـى ولذا تمسك الدلة باليسار, ويدق الفنجان بمقدمة الدله حتى ينتبه الشخص الذي تُصب له القهوة, وينحني قليلاً أمامه ليسهل تناول الفنجان, ولا يجوز تناوله إلا ضمن جلسة محترمة لائقة, وباليد اليمنى أيضاً.

- على من يقدّم القهوة أن يصبها أكثر من مرة لشاربها حتى يهزّ الأخير الفنجان بيمناه أو بإشارة من يده وذلك برفع أصابع يده اليمنى نحو الأعلى قائلاً: ( دايمة ) مما يدل على اكتفائه منها, والفناجين كما يقال أربعة أنواع ( هيف وضيف وكيف وسيف ) .

 تعني الفناجين الأربعة  :

_  فنجان الهيف : وهو الفنجان الأول الذي يشربه المعزب . 

-   فنجان الضيف : وهو الفنجان الأول الذي يصب للضيف .  

-  فنجان الكيف : وهو الفنجان الثاني الذي يصب للضيف وتعني أنه صاحب كيف ولذة في                   شرب القهوة ومن أهلها . 

     -  فنجان السيف : وهو الفنجان الثالث للضيوف أو لمن في المجلس ومن شربه دل على شجاعته ومنعته وكرمه وعزمه على الدفاع عن المعازيب في حالة حدوث اعتداء عليهم أو الأخذ بالثأر .. وكان هذا الفنجان لدى القبائل العربية في البادية, فشعب القريتين شعب مسالم وكما يقال ( شيطان القرواني صغير ) وأكبر مشكلة فيها تحل بفنجان قهوة .




- تقدم القهوة للحضور عدة مرات, ولاسيما في بداية المجلس ونهايته, وكلما وفد أحد ما إليهم, وعندما تكون القهوة باردة فلا تنعت بذلك بل يقال القهوة دافية .