الغناء الشعبي والموسيقى

جاء في كتاب الأغنية الشعبية للدكتور أحمد مرسي تعريف الأغنية الشعبية قائلاً: ( الأغنية الشعبية هي الأغنية المرددة التي تستوعبها حافظة جماعة, تتناقل آدابها شفاهاً, وتصدر في تحقيق وجودها عن وجدان شعبي ) ( 1 ).       

إن الغناء الشعبي صورة صادقة تعبر عن حياة المجتمع ووجدانه وهمومه, وهي ترتبط بحياة الإنسان من المهد إلى اللحد, فمنذ الولادة تقوم الأم بالغناء للطفل وهو مستلق في سريره إما لينام, أو ليكف عن البكاء, والأغنية الشعبية نجدها عند الأطفال وفي جميع المناسبات, فهي موجودة في حفلات الأفراح وأثناء العمل وفي المناسبات الدينية والوطنية, كما نجدها في المناسبات الحزينة أيضاً.

لقد تميزت القريتين بالطرب الشرقي الأصيل, و بالأصوات العذبة والكثيرة, والتي لها شهرة واسعة في المناطق المجاورة ولاسيما منطقة القلمون التي تدعو أصحاب هذه الأصوات لإحياء الأعراس فيها فهناك تسجيلات جميلة لأعراس أحياها مطربون من القريتين, ومن هؤلاء الراحلان مصطفى الخطيب ( أبو عبد الكريم ) وجرجس السطاح ( أبو فواز ), الصورة رقم ( 23 ) ولهذين الرجلين تسجيلات جميلة تتضمن العتابا الشرقية الأصيلة والموليّا والقصيد ...إلخ.

الصورة رقم ( 23 ) الراحلان مصطفى الخطيب وجرجس السطاح

مع المخرج الراحل نذير عقيل وتعود إلى بداية الثمانينيات من القرن الماضي

كما توجد تسجيلات جميلة لمطربين شعبيين نذكر منهم على سبيل المثال: عبدو الأمين الصالح (أبو فؤاد) وأحمد النجم (أبو هيثم) وولـده أيهم, والزعيم الخطيب (أبو حمزة ) وأحمد الدروبـي (أبو فيصل) ومحمود العبيد (أبـو عبد الرحمن ) وعبد اللطيف السطاح ( أبو ياسر ) الذي يسكـن في فيروزة وعبد الكريم المضهور أبو دحام ( كريم الذيب ) وقاسم العبيد ( صقر البادية ) ... إلخ. الصورة رقم ( 24  ) نسأل الله الرحمة لمن أنتقل إلى جوار ربه ..  

الصورة رقم (  24 ) المطرب الشعبي الراحل جاسم العبيد والزعيم الخطيب أبو حمزة على العود 

أما الأدوات الموسيقية التي استخدمها ابن القريتين قسمان: الأول: أدوات للإيقاع مثـل الدربكة والطبل والدف, والثاني: أدوات للعزف وأهمها الربابة والمجوز أثناء الدبكة والعود والناي والقصبة, ثم دخلت الكمنجة والآلات الحديثة كالأورغ. 

وتعد الربابة آلة الطرب التراثية في البادية والريف, ويحنُّ كبار السنِّ إلى سماع صوتها, وهي آلة وترية ذات وتر, وهي عبارة عن هيكل خشبي مستطيل (50 × 25 × 5 سم ) لف عليه جلد وتتصل بالهيكل عصا, ويمر وسطها وتر من شعر ذيل الفرس مشدود من الطرفين ولشده أكثر يتم وضع قطعة خشبية تحت الوتر, ولها قوس ذو وتر للجـرّ على الوتر المشدود على الربابة حيث تصدر صوتاً حزيناً جميلاً, الصورة رقم ( 25 ), ويستخدم من يقوم بالعزف مادة تدعى ( القلفونة ) يمررها على وتر الربابة لتعطي نغمة تتناسب والعتابا والموليا وألوان الغناء الشرقي, فأنت حين تسمعها من عازف ماهر تشعر كأن الربابـة تتكلم بالعتابـا والموليا. 

صورة رقم ( 25) تبين الربابة آلة الطرب في القريتين

وبالنسبة للقصبة فهي آلة موسيقية من القصب مثقوبة خمسة ثقوب ينفخ فيها مع تحريك الأصابع على الفتحات, وتستخدم كثيراً في الدبكة.

وأما المجوز فهو آلة نفخ موسيقية تراثية عبارة عن أنبوبتين من القصب تمّ لصقهما بشمع العسل, وفي كل منهما خمسة ثقوب متقابلة, وفي مقدمة كل أنبوبة زمارة صغيرة من القصب بطول 5سم تُشقّ شقّاً صغيراً في وسطها بشكل مائل بسكين حادّ, وتوضع كل زمارة في أنبوبة, وقد يربط خيط بالمزمار. الصورة رقم ( 26 ) وقد ارتبط المجوز بالرعاة حيث كان الراعي يستخدمه ليعبر عن مشاعره أثناء رعيه، ثم استخدم في الأفراح ولا سيما أثناء الدبكة فتجد من يعزف عليه وسط دائرتها .

الصورة رقم ( 26 ) آلة المجوز 

الرقص الشعبي :

ليس الرقص سوى حركات جسمية يقوم بها الإنسان في مختلف الأشكال وتباين الأوضاع, وهي حركات يفرضها عليه الزمان والمكان, وقد قصد به في البداية التعبير عن الفرح والسرور, أو التعبير عن المشاعر, بل أحياناً عن الألم والشكوى, قال الشاعر :

لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرباً             فالطيرُ يرقصُ مذبوحاً مِنَ الألمِ

وفي الجاهلية رقصت نساء العرب في الحروب وانتصاراتها, وفي بدء الإسلام وأثناء وصول الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة مهاجراً إليها يُـقال إنه استقبِل من بناتها بالفرح والبهجة, فنقرن الدفوف وأنشدن ورقصن وهن يرددن :                        

طلـعَ البـدرُ علينــا


مِـن ثنـياتِ الـوداعْ

وجبَ  الشـكرُ  عليـنا


مـا دعـا  للّـهِ  داعْ

أيُّهـا المبـعوثُ  فيـنا


جئـتَ بِالأمـرِ المُطاعْ

جئـتَ  شرّفتَ المدينـةْ


مـرحبـاً يا خيـرَ داعْ

إن الموسيقى والغناء عنصران مهمان في عالم الرقص, فالراقص لا يستغني عن الموسيقى ولا عن الصوت الجميل ( المطرب ), وقد ترافق الراقصات ولاسيما النوريات الصنوج في الكفّ.

والرقص في القريتين رقص جميل, وهو كيفي وفني, ويختلف بين الذكور والإناث, فعند الرجل تجد الخطو السريع والوثب والقمز والصريخ والنخ ( ثني الركب ) ولاسيما أثناء الدبكة, الصورة رقم     ( 27 ), ويرافق ذلك أنغام المجوز والطبل بإيقاعه السريع أو الدربكة, بينما رقص الأنثى يعتمد على هزّ الأكتاف والأرداف وتحريك اليدين ولاسيما الكفين مع خطو بطيء, ويترافق مع صوت الدربكة وغناء الفتيات وزغاريدهن.

ولا بد للراقص من صفات منها: دقة الخصر, وحسن تناسق الجسم, وسرعة الدوران, وخفّة الروح...

الصورة رقم ( 27 ) تبين الرقص في القريتين ( خضر العبيد أبو دحام رحمه الله )


والرقص نوعان: رقص الأفراح وهو الشائع والسائد, والرقص الصوفي إن صحت التسمية  وكان محصوراً وضيقاً جداً في القريتين وتمثل بعدد قليل من الرجال يجلسون أسبوعياً ( ليلة الجمعة) وعلى نقر المزهر (عبارة عن دفٍّ فيه صنجات وخشاخيش) من قبل شيخهم عوض الضويهر رحمه الله ( 2  ) وإنشاد بعض الأبيـات فـي مدح الرسول صلّى الله عليه وسلّم, ثم يقفون وهم يتمايلون  يحركون رؤوســهم نحو الأمام والخلف, فيبدأون بذكر الله تعالى مرددين بشكل متسارع: ( الله ... الله ) لينتهي هذا الذكر بعد دقائق بـ ( هُـو ... هُـو ), وهذا ما يسمى بالحضرة, وقد يحضر هذه الجلسات بعض الضيوف.   

أما الدبكة في القريتين فهي أنواع وتختلف دبكة الرجال عن دبكة النساء, فدبكة النساء تكون على شكل حلقة مغلقة, وهي أسرع, وتقوم النساء فيها بتحريك الأيدي المتشابكة نحو الأعلى, بينما دبكة الرجال تكون على شكل نصف دائـرة ( مفتـوحة ) وتدعى عَرب حيث تتشابك الأيدي وتمتد نحو الأسفل غالباً إلاّ عندما تشتد الدبكة ويبتعد الطارود عن رفاقه فترتفع نحو الأعلى, كما تعتمد على ثني الرجلين من الركبة, وضرب القدم اليمين على الأرض بقوة ضمن إيقاع واحد وجماعي, ويمكن أن تكون سريعة أو بطيئة, وتحتاج إلى إتقان ومهارة, وقد تكون تسعاوية, وتوجد دبكات غير مشهورة مثل الولدة ( الخميسية ) والجوبـة الفراتية, إلا أن الدبكة المنتشرة بكثرة في القريتين هي النشــلة، وهناك فـي القريتين أناس مشهورون بها, كما توجد دبكة يتم فيها خبط القدم ضربتين متتاليتين, ويكون أمهرهم هو ( الطارود ) على الأول الذي يقود الدبكة( 3), بينما الأخير يدعى بـِ ( قافل الدبكة ) وهو يغلقها, وكثيراً ما يترك الطارود مكانه ليرقص بمفرده ثم يعود إلى مكانه, وغالباً يحمل بيده اليمنى محرمة يلوّح بها, و يمسك باليسرى مجاوره الذي يساعده في الابتعاد عن الصف بين فترة وأخرى. 



حواشي وإحالات :

  1. الأغنية الشعبية –  الدكتور أحمد مرسي –  المكتبة الثقافية بمصر / 1970 م /

  2.  عوض الضويهر : رجل بدوي صوفي تزوج قروانية من آل النجم وسكن القريتين واستقر بها وقد توفي ودفن فيها, وله ذرية طيبة, وكان يتبع الطريقة الرفاعية وقد تبعه عدد قليل جداً من أبناء القريتين فكانت لهم حلقة ذكر ولا سيما ليلة الجمعة .  

3- يعطي الطارود أوامره لمن يرقصون معه في حلقة الدبكة, وهي مفهومة لديهم, وهذه الأوامر يوجهها لهم بصوته العالـي مثل: ( وحْدةْ ) أي لتكن ضربة الأقدام واحدة, ( افْردْ ) لفتح حلقة الدبكة,   ( الْحمْ ) لوصل الحلقة دون انقطاع, ( الْعَبْ ) للرشاقة والتفنن في الرقص والعزف على الأدوات, ( شِيلْ ) للسرعة والقوة, كما يطلب من المطرب والفرقة الموسيقية أن يحول الغناء بشكل يناسب نوع الدبكة التي يتقنها الجميع قائلاً: ( عَرَب عَرَب ).


أحدث أقدم