المعتقدات والمعارف الشعبية

1ً- المعتقد الديني : 

للأديان أهمية خاصة في التراث وجوانبه المتعددة, كونها  تؤثر على حياة الفرد ومعيشته وطريقة تفكيره ونظرته للأمور, كما تؤثر على المجتمع من خلال حجم الأسرة وتحديد النسل والطلاق وتعدد الزوجات, و ينعكس أثرها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية السائدة, ومن هنا كان لابد من التطرق لهذا الموضوع الذي يفسر الكثير من حوانب هذا التراث.

يشكِّل المسلمون حالياً حوالي ( 90 % ) من تعداد نفوس القريتين الذي تجاوز ( 32 ) ألفاً, يقيم منهم فيها فعلياً نحو ( 14500 ) فقط, منهم ( 1300 سريان أرثوذكس و 320 سريان كاثوليك )( 1 ), ولقد دخل الإسلام القريتين قبل معركة اليرموك (15 هجريةـ 636 ميلادية) عندما مر بها سيف الله المسلول خالد بن الوليد قادماً من العراق لنجدة جيش الصحابي أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهما فـي الشام 0

صورة رقم ( 16 ) مسجد الحمزة بن عبد المطلب من الداخل

وقبل مجيء خالد كان سكانها الأصليون يدينون بالمسيحية بعد أن انتقل أهلها الوثنيون الذين عبدوا إله الشمس ( بل – حدد ) إليها على يد مار توما عندما مرّ منها في طريقه إلى الهند( 2 ), فقد ضمت منطقة القريتين الكثير من الأديرة والكنائس, منها ذلك الدير المعروف بدير مار اليان والذي يعود إلـى سنة ( 364 م ) وهي السنة التـي دفن فيها الرهبان أباهم الروحي مار اليان بجوار هذه المدينة ( 3 ) كما تشير النشرة التي صدرت بعنوان : دير مار اليان الشيخ في بادية القريتين.


الصورة رقم ( 17 ) دير مار اليان في القريتين من الداخل 

إن الأمر الملاحظ في مجتمع القريتين هو التآخي والتسامح بين أفراده منذ القدم, وهو مضرب مثل للقاصي والدانـي, ويتجلى ذلك بالمشاركة في مناسبات الأفراح والأتراح , والسبب يعود إلى وعي الآباء والأجداد, أنظر الصورة رقم (  18 ) وقد زاد هذا التآخي بين أبناء القريتين نتيجة انتشار الثقافة والعلم, والشعور بأنهم أبناء أمة واحدة, تجمعهم رابطة العروبة, وانصراف الجميع إلى تحسين أوضاعهم. وأكبر دليل على ذلك في احتفال أبناء القريتين لبطريرك السريان الأرثوذكس ( زكا الأول ) فقد خرج أبناؤها مسلمون ومسيحيون لاستقباله مما أثار انتباهه, فقام بزيارة الشيخ أسعد في بيته وكان له مكانة هامة عنده عندما يزوره.  

2ً - النذور: 

رغم أن النذر لا يأتـي بخير كما ورد في المأثور( 4 ), فالناس يتعاملون به وينذرون ولاسيما إذا صعب أمر ما, و ينتشر النذر بين النساء بالدرجة الأولى والأمهات خاصة, فمن حبهن لأولادهن يفعلن ذلك, ويكون النذر غالباً توزيع مبلغ من المال أو الطـعام أو صيام عدة أيام لله تعالى, أو ذبيحة لوجه الله, وتوزع على الفقراء كاملة, والنذر يصبح ديناً عند ابن القريتين, وهو مقدس ولا بدّ من الإيفاء به وإلا جرّ على صاحبه الويل والثبور, فالآية الكريمة تقول: ﴿ يُوفونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ( 5 ).

ولقد كانت النسوة ينذرن نذوراً لم يعد لها وجود منها النذر بتزويد أبـي ريشة أو الشيخ عاضد بالزيـت لإشعال الضواية على قبرهما, ( يرى الكثير من السكان إن أبا ريشة ولي من أولياء اللّه وكذلك الشيخ عاضد ), كما كن ينذرن بأخذ أولادهن لزيارة قبر الصحابي الجليل خالد بن الوليد في مدينة حمص, ولاسيما إذا كان الولد وحيداً بين عدة بنات.


3ً – الأولياء والمزارات : 

رغم تشجيع الحكم العثماني للتصوف وطرقها وإقامة الزوايا والتكايا والمزارات, فإنها في القريتين تقتصر على الاعتقاد بوجود بعض الأولياء مثل أبـي ريشة والشيخ عاضد والشيخ صالح والجنيد, فأبو ريشة حالياً أصبح مكانه مسجد الرحمة, وقد كان سابقاً فسـحة من الأرض مربعة الشكل محاطة بالجيران من ثلاث جهات ومفتوحة على الشارع تماماً, وفـي داخلها يوجد القبر وبناء لا يرتفع عن الأرض أكثر من متر من الطين, وفيه موضع للضواية التي يقوم الجيران بإشعالها ليلاً, وزيتها مما ينذره الأهالـي, وكان الأطفال إذا اجتازوا الشارع أسرعوا خائفيـن وهامسين: ( دستور يا أبو ريشة ), وكبار السن يقولون إنه كان فارساً وأصيب في معركة ولما وصل إلى هذا المكان توفي ودفن فيه. 

و أما قبر الشيخ عاضد فمكانه معروف حيث يسمى الشارع باسمه وكان عليه قبّة, وهدمت, إلا أن القبر محافظ عليه, وله مدخل خاص ضمن دار المرحوم أحمد العصورة, ولديّ سند بيع أرض من محـمد بن طيفور السعود إلى هدلة بنت سليم المطلق العاضد يعود لعام 1324 هـ, وسند بيع آخر يعود لعام 1233هـ ومن شهوده الشيخ عاضد وهذا يشير إلى أن الشيخ كان على قيد الحياة في بداية القرن التاسع عشر, وأما مقام الشيخ صالح فضمن غرفة في حارة عمرو, وقبر الجنيد ليس بعيداً عنه, ومكانة الأخيرين أقل أهمية من مكانة أبي ريشة والشيخ عاضد, وهذه القبور من أوقاف القريتين. 

هذا وبالرغم من اعتقاد الكثيرين من أبناء القريتين بأنهم من الأولياء فليس هناك أي طقوس للتبرُّك بهم, وكل ما في الأمر هو ما ذكرناه, ألا وهو النذر من قبل النساء لهم بالزيت, وبصراحة  كان الجهل معشعشاً في عقولهن حيث الأمية مسيطرة, كما يمنع الأكل من الثمار العائدة للوقف مثل وقف دير مار اليان وغيره, ويعتقد أبناء القريتين أن للأولياء كرامات ولهم القدرة على إيذاء الأحياء في حال الإساءة لهم رغم أنهم أموات.

أما عند المسيحيين فلديهم الاحتفال والتبرك بالقديس اليان الشرقي ( الشيخ ) وذلك يوم التاسع من أيلول من كل عام ويشارك فيه المسلمون والمسيحيون كما في الصورة ( 18 ) ويوجد قبر مار اليان في الدير ضمن القريتين حالياً, وله أملاكه, وكان بداخله مربط للخيول ومكان لطهو الأطعمة وكان يطلق على البناء قصر الدير! وبقربه قناة أثرية قديمة فيها الكثير من الكواكب تدعى قناة الدير وقد جفّت عام 1978م .














الصورة رقم ( 18 ) الاحتفال بمار اليان عام 2006 م بمشاركة من المسلمين والمسيحيين

 

هذا والكثير من المسـلمين فـي القريتين  يطلقون على مار اليان اسم ( أحمـد الحوري ) .. ! 

وهم يعدونـه من الأولياء ويحترمونه, وللقـبر مكانته عندهم, وهذا مثير للانتباه والتساؤل من خلال أمرين هما: تسمية البناء بقصر الدير, فهل أصبح المكان قصراً لأحدهم عندما فقد الدير مكانته وأُهمِل أم العكس هو الصحيح  !؟ ( 6 ), والأمر الآخر يتعلق بتسمية مار اليان عند المسلمين في القريتين بأحمد الحوري, فمن هو أحمد الحوري !؟ .

ولقد كان الناس نتيجة جهلهم بالدين يأخذون إليه من فقد عقله ويربطونه بجنـزير داخل الدير ليـلاً, ويظنون أنه سيشفى وهي أمور ما أنزل الله بها من سلطان ولكنه الجهل...


4ً- السحر والمعتقدات عند العامة: ( إنه كيد ساحر, ولا يفلح الساحر حيث أتى )(7)

لعب السِّحر دوراً كبيراً في حياة الإنسان وتوجيه سلوكه منذ آلاف السنين, وكان لجهله بقوانين الطبيعة, وعدم التحكم بها, والخوف منها, يسعى لاسترضائها إمـّا لاتقاء شرها, أو كسب رضاها مما جعله يمارس السّحر, فما السّحر ؟.

جاء في كتاب التعاريف لمحمد المناوي ص 399 ما يلي: ( لقد فسّر الإمام  الرازي السِّحر بقوله السِّحر: يختص بكل أمر يخفى سببه, ويتخيل على غير حقيقته, ويجري مجرى التمويه والخداع وإذا أطلق ذم فاعله, وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد, نحو خبر إن من البيان لسحراً, أي إن بعض البيان ســــــــــــــــــــــحر, لأن بعضه يوضح المشكل, ويكشـــــف عن حقيقية المجمل, بحسـن بيانه فيستميل القلوب )( 8 ), وجاء في تاج العروس عن السحر: ( صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ) (9 ) ؟.

والواقع لقد كان السحر بداية أولية للعلوم ولاسيما الطب, يقول ألكسندر كراب في كتابه علم الفولكلور: ( إن السحر يقوم على نوع من المنطق, لكن المنطق الذي يستند إليه منطق مغلوط لأنه يقوم على علاقات عارضة تطرأ ثم لا تلبث عند التمحيص أن تبدو لنا غير موجودة في الحقيقة )(10) والسحر منتشر في معظم الشعوب, يقول كراب: ( وكثيراً ما تعايش السحر والعلم معاً, بل في عقل إنسان واحد ) (11) 

 ولقد قسم الباحثون السّحرَ إلى نوعين هما: السحر التشاكلي والسحر الاتصالي (12) وفيما يلي تفصيل لهذين النوعين وكيفية ممارسة كلّ نوع في مجتمع القريتين.

آ – السِّحر التشاكلي: أي أن الشبيه ينتج الشبيه عن طريق المحاكاة والتقليد, ومن أمثلة ذلك في القريتين الممارسات التالية:

- ما تقوم به العروس ليلة زفافها عند دخولها بيت الزوجية, حيث تعمد إلى إلصاق قطعة من العجين فوق الباب, الصورة رقم ( 22 ) وتفسير ذلك أن العروس ستلتصق ببيت زوجها كما تلتصق العجينة, ويضع البعض في داخل العجينة قطعة نقود معدنية لتكون العروس مصدر نعمة وبركة على أهل البيت, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا اختير العجين ؟ والجواب إن العجين ضروري للخبز ذي المكانة الهامة لدى الكثير مما يصل إلى حدّ القداسة, فالخبز نعمة, وحرام رميه على الأرض دون كل الأطعمة, وابن القريتين عندما يرى قطعة خبز على الأرض يتأثر ويتألـم, فيحملها ويقبّلها خوفاً من زوال هـذه النعمة, بل وصل الأمر ببعضهم إلى مسك الخبز والحلف قائلاً: (وحقّ هالنعمة ).

 - ومن ممارساته ما تفعله بعض النسوة من تقديم أطعمة للزوج أو أشربة حَوت مخلفات لبعض الحيوانات كالحمار أو الغنم..., بهدف جعل الزوج طوع بنانها, فتعمى عيناه عن أخطائها, وكأن صفات هذه الحيوانات ستنقل إليه بهذه الممارسة السحرية, ويقال: إن إحداهن في القريتين فعلت ذلك بزوجها فجنّ, وأصبح أقسى من ذي قبل, وانتهى الأمر إلى الفراق والطلاق.

- ومن ممارسات السحر التشاكلي والتي سببها الجهل وقد انتهت بعد انتشار العلم تعليق النساء في القريتين سابقاً خرزة ملونة أو أكثر في جيوبهن أو بكراميلهن ( جدائلهن ) كأن يقمن بفركها أثناء دخول الزوج البيت, والخرز لدى بعض النساء متعدد الألوان والأغراض وله طابع القداسة عندهن وهو يُعار ولا يباع, وأعرف قصصاً كثيرة حول ذلك, فهناك خرزة المحبة والحظ ذات الألوان الزاهية ( بيضاء مشوبة بالصفرة ), وهي تجعل العلاقة بيـن الزوج وزوجته مثل السمن والعسل كما يقلن, وكثيراً ما تلجأ المرأة المتزوجة إلى من لديها هذه الخرزة لاستعارتها عندما يشتد الخلاف بينها وبين زوجها ..! وهناك خرزة ذات اللون الأزرق لردِّ العين, وأخرى بلون أسود لبث البغض بين اثنين, وخرزة الحليب لدرّه وهي بيضاء اللون كلون الحليب وهناك خرزة الرزق ..!!!!إلخ, الصورة رقم ( 19) لخرزة تعتقد بعض النسوة بأن لها علاقة في تسهيل الأمور كالامتحانات أو المحبة وجلب الرزق والحظ ...! 

   

الصورة رقم ( 19 ) خرزات تدعى دهن ودبس أو سمن وعسل وهي للمحبة والحظ ... !!

ومن الممارسات السعي لتجريد الرجل من رجولته ليلة الدخلة (الزفاف) حيث تعمد بعض العجائز ساعة عقد القران فيعقدن في خيط مع قراءة تعويذات , مما يؤدي إلى فشل الزواج, ويطلق على المعقود له أي الزوج بـِ ( المربوط ) أي أنه لا يستطيع الإفلات, ولذا يلاحظ عند عقد القران من قبل الشيخ طلب البعض من الحضور عدم تشبيك أيديهم كي لا يفشل الزواج..!

ويرتبط بالسحر التشاكلي جلسات تحضير الأرواح - على نطاق ضيق - لاعتقاد البعض بقدرة هذه الأرواح على فعل ما يعجز الأحياء عن فعله, وفي إحدى هذه الجلسات جيء بسلة من القصب من قبل مدرس غريب عن القريتين وثبت في أسفلها قلم رصاص يلامس ورقة بيضاء, وغطيت بقطعة قماش رسمت عليها جمجمة, وأمسك بالسلة اثنان أحدهما الذي يقوم بالتحضير, ثم أطفئت الأنوار في الغرفة, وانتشرت رائحة البخور في أرجائها, وبعد تلاوة آيات وطلاسم, طلب من روح فلان الحضور, وأخذ يسألها عن صاحبها وسنة ومكان وفاته, وكانت السلة تتحرك بفعل الْمحضِر ليكتب القلم أجوبة شبه مقروءة.

ومن الممارسات في القريتين إلقاء الحبل السري للطفل في مكان آمن, خوفاً من وقوعه بيد امرأة تكيد لأهله مما يسبب له المرض والموت, وكذلك فتح المقص دونما سبب يؤدي إلى الخصام في البيت, وكثيراً ما فسر البعض كثرة الشجار في البيت بوجود حصوة شرّ ألقيت عليه, فيقال: ( البيت اليوم فيه حصوة شرّ ), ومنها زقزقة العصافير في الدار تشير إلى قدوم ضيوف, والطنين في الأذن يشير إلى وجود من يذكر صاحبها فيقول: ( الله يجعله خير, أذني عمّ اطّن ), أو الحكة في الرجل اليمنى تعني لدى بعض النسوة هدية قادمة فتقول: ( رجلي اليمين عمّ تحكني, وبدها تجيني بُرّة أي هدية ), وإذا كانت الحكة في الرجل اليسرى أو رفّ جفن العين فسيموت شخص وتسمع منها        ( خير الله يجعله خير ) , فإذا مات إنسان قالت : ( مات فلان والله من الصبح عيني عم ترف ), ومن الممارسات كسر عود لرد حسد الحاسدين وكيدهم, وكذلك عندما يـُسأل البعض عن عدد أولاده أو ما يملكه فيرد بكلمة ( بركة ) أو عددهم كذا بعين الشيطان أو العِدا, وفي حال قيام السائل بالعدّ يقال له: ( عدّ جمال أبوك ) خوفاً من الإصابة بالعين. 

ومن الممارسات قيام بعض الطلبة من وضع مفتاح كبير في منتصف القرآن الكريم, وربطه بمطاط والإمساك بالمفتاح, وقراءة آية من القرآن الكريم: ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (13) فإذا استدار القرآن نحو يميناً كان فأل خير ونجاح, وإذا استدار يساراً كان نذير شؤم ورسوب, ومنها وضع حبات من الشعير بعد القراءة عليها في قطعة عجين لشفاء الثآليل وما يسمى بمسامير اللحم التي تحدث بين أصابع القدمين نتيجة لبس حذاء ضيق.

ومن ممارساته ما ذكره الدكتور جبور في كتابه ( البدو والبادية ) عن أبناء القريتين من لجم للذئب عندما تضيع بهيمة, والطريقة هي: ( تلاوة عبارات مسجَّعة أو آيات من بعض كتب الدين يقرأونها وفي أيديهم مدية مفتوحة أو موسى, ثم يطبقون المدية عند انتهاء القراءة, ويعتقدون أن الذئب عند ذاك لا يستطيع افتراس البهيمة, وكم من مرة حُدِّثت عن بهيمة فقدها صاحبها فلجم الذئب على الطريقة المذكورة, أو ذهب إلى خبير يلجمه له, ثم أخذ يسعى بالبحث عنها فلما رآها وجد الذئب يدور حولها, ولا يستطيع الاقتراب منها: حديث خرافة يا أم عمرو ) (14).

 ب – السحر الاتصالي: أي ما يحلّ بالشيء سيحل مثله في الشيء الذي يتصل به, أو الذي كان متصلاً به من قبل (15), وأمثلته عديدة في القريتين منها الخوف من ارتداء ثياب الموتى لأن الموت قد ينتقل أثره مع الثياب إلى الأحياء إذا قاموا بارتدائها, ومنها عدم رمي الشعر الذي يخرج من الرأس أثناء المشط أو الحمام أو الأظافر المقلمة كي لا تقع بأيدي نساء شريرات تلحق الأذى بصاحبته, ولذا تدفن أو تحفظ في أماكن خاصة, وأنا أعرف امرأة متدينة كانت تجمع شعرها ولا ترميه فصنعت منه وسادة ( مخدة ) وأوصت بوضع هذه الوسادة تحت رأسها في قبرها ولما توفيت كان لها ما أرادت, ومنها ما يقوم به الطفل بإيعاز من أهله أثناء تبديله أسنانه اللبنية بحمل السن في يده اليمنى والتوجه نحو الشمس مخاطباً إياها قائلاً: ( يا شمس يا شموسة خوذي سن الحمار, واعطيني سن الغزال ) ثم يرمي السن باتجاه الشمس, وعليه أن ينتبه أثناء تحدثه عن الأخذ والعطاء, وإذا قال له أهله مازحين: إنه أخطأ, بكى خوفاً من سن كبير يشبه سن الحمار, ومن السحر الاتصالي الخوف من سكب الماء الساخن في عتبة البيت ليلاً, لأن ذلك يؤذي صغار الجن التي تسكن هذه الأماكن حسب معتقداتهم, وبالتالي قد يؤدي ذلك إلـى إيـذاء من يسكب هـذا الماء ويصبح ( ملموساً ) كما يقولون ولذا تسمع عند العجائز خاصة كلمة ( دستور ) عند سكب الماء في العتبة ليلاً أي طلب السماح من الجن, ومن ذلك الاعتقاد بأن الزوابع من عمل الشياطين ولذا عندما تهب تسمع البعض يقول: على البخيل, وقد كان الوشم من خلال رسومه وسيلة للتخلص من الإصابة بالعين, حيث رسمت على اليدين, ثم أصبح الوشم للجمال فقط.

إن السحر وطقوسه كان مادة للأدب الشعبي فـي القريتين, ففـي حكايات الأطفال نجد خاتـم سليمان( لُـبـّيك ) الذي يصنع المعجزات من خلال ذلك المارد الذي يلبي طلبات مالك هذا الخاتم السحري قائلاً له: ( شُبيك لُـبيكْ, عبدك بين إيديك ), وحكاية طاقية الإخفاء التي تخفي جسم صاحبها فلا يرى, كما تخفي صوته فلا يسمعه أحد إذا تكلم, وحكايات تتعلق بالجن والغولة والبساط السحري. 

ويلاحظ أن الكثير من سلوكيات الإنسان وتصرفاته بعيدة عن الدين والتفكير السليم دون أن يدري, فكم من المرضى الذين لجأوا إلى ممارسات لا تمت إلى الحقيقة بصلة عندما أصبحت حالتهم حرجة أو ميؤوساً منها, ومن هذه الممارسات والسلوكيات التي عرفها ابن القريتين استعماله لأوانٍ سحرية ما زالت شاهدة في بيوتنا مثل ( طاسة الرعبة ), وهي إناء ذو قدرة سحرية لدى العامة غير المتعلمين, كتبت عليه آية الكرسي أو تعويذات بل أحياناً زخارف, وهذا الإناء إذا شُرِب من مائه شُفي الشخص الخائف ( المرعوب ), ونتيجة جهلهم بأمور دينهم يعتقدون ذلك , بل أحياناً يوصف لأمراض أخرى كالشقيقة والعين ولسعة العقرب وغيرها ..!!  الصورة رقم ( 20 ).

الصورة رقم 20 )  طاسة الرعبة أو الشفاء 

ومنها تعليق كف أزرق على قِماط الطفل أو كُمّه, وفي وسط الكف رسمت عين لرد حسد الحاسدين ودفع العين عن الطفل الرضيع أو كف ذهبي بسنسال يعلق بسرير الطفل ويطلق عليهما خمسة وخميسة, الصورة رقم ( 21 ) ومنها قراءة الأبراج والكفّ والفنجان والودع وكتابة الحجب وغيرها والتي تصل إلى حد الشرك بالله والعياذ بالله .

الصورة رقم ( 21 ) كف ذهبي وفيه خرزة زرقاء لرد العين ( خمسة وخميسة )

وهناك معتقدات باطلة كثيرة لدى العوام منها: التخويف بالجن أو برحيمة الله التي ستأتـي من الجبّ وذلك ليكفَّ الأطفال عن البكاء, وعدم الصفير في الليل لأن ذلك يؤدي إلى قدوم الشياطين, وعدم عدّ النجوم ليلاً مما يسبب ظهور الثآليل في اليدين والرجلين, والخوف من ظهور مذنب هالـي حيث قامت بعض النساء في القريتين بتخزين الأطعمة وتجفيف كميات من الخبز خوفاً من القادم المجهول, وصوت البوم دليل الشؤم والموت, والتيمن ببعض الأرقام مثل ( 1 و 2و 3 و 8 و12 ) وكثيراً ما تسمع من باب التفاؤل: واحد الله واحد, أو من ثنّى دخل الجنة, أو الثالثة ثابتة, والتشاؤم من بعضها مثل ( 7 ) فمثلاً يقال: سبعة يسبع وجه العدو, والتفاؤل أو التشاؤم ببعض الأيام أو الأشخاص, فيتشاءم ويقول: ( اليوم تصبحّت بفلان والله يستر ) ولاسيما إذا كان أعوراً أو يحسد الناس ويصيب بالعين (عـينه ضيقة ), أو يتفاءل ويدعى ( الفأل ) (16), وهذا يعدّ أمراً طيّباً, ومن ممارساته أثناء عمل الكبة القيام بوضع الملح في كبة واحدة والفلفل الأسود في كبة أحياناً ويقولون: من كانت الأولى نصيبه فوجهه خير, بينما الثانية وجهه شر.

لقد مارست المرأة في مجتمع القريتين السحرَ أكثر من الرجل لأسباب تتعلق بها وبمجتمعها منها تغلب العاطفة لديها, وانتشار الأمية, والخوف المحيط بها كونها الأضعف في هذا المجتمع.




حواشي وإحالات الفصل الخامس :

1- نشرة بعنوان ( دير مار اليان الشيخ في بادية القريتين ).

2- المصدر السابق.

3- المصدر السابق.

4- في سنن النسائي, ج 3, ص 15 برقم 3801, عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: ( إنـه لا يأتـي بخير...).

5- سورة الإنسان – الآية 7 .   

6- مما يدعو إلى هذه التساؤلات ما ذكره المؤرخ اللبناني فيليب حتي فـي كتابه ( تاريخ العرب ) حرفيّـاً: ( وكان الوليد يقضي أيامه فـي قصوره بالبادية, وكان أحدها فـي القريتين الواقعة على منتصف الطريق بين دمشق وتدمر ), وكبار السن في القريتين يطلقون تسمية القصر على هذا المكان فقط, فهل كان قصره ضمن منطقة الدير ؟ أم مجاوراً له ثم ضمّ إليه بعد مقتله ؟ ! وإلاّ فأين موقع هذا القصر الذي ذكره المؤرخ حتي ؟ وأين بقايـاه ؟ وهنا لا بدّ من انتظار نتائج الحفريات التي تجرى في الدير, وبالنسبة للوليد الثانـي فهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك الخليفة الأموي الحادي عشر ( 125 – 126 هـ ), اشتهر بالمجون واللهو, وقد نصحه مرافقه قبل مقتله بأن يتحصن بتدمر فرفض ثم نصحه بالقريتين فقال: إنه يكره القريتين, فتحصن في البخراء ( 25كم جنوبي تدمر ) فقتل كما جاء في تاريخ دمشق ( ج3, ص 337 ) لابن عساكر, وتاريخ الإسلام للذهبي ( ج2, ص 464 )0

7- سورة طه – الآية 69, هذا ويعتبر السحر من الموبقات السبع التى حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الاقتراب منها، حيث أمر باجتنابها فـي قوله صلى الله عليه وسلم ( اجتنبوا الموبقات السبع، قيل : يا رسول الله وما هن ؟ قال ( الشرك بالله، والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) رواه مسلم في صحيحه ج1, ص 244 0

8- التوقيف على مهمات التعاريف – محـمد عبد الرؤوف المناوي – ج1, ص 399

9- تاج العروس – الجزء الأول – ص 2929 0

10– علم الفولكلور – ألكسندر كراب – ص  437, ترجمة أحمد رشدي صالح 0

11- المصدر السابق .

    12 - السحر – محـمد توفيق السهلي – مجلة صوت فلسطين – العدد 123 نيسان 1978م.

13-  سورة الأنعام – الآية 59. 

  1. - البدو والبادية – الدكتور جبرائيل جبور / ص 75.

  2.  جلة الفنون الشعبية – أحمد الربايعة – العدد التاسع – ص 16 0

  3. - كان النبي صلى الله عليه وسلم يَتفاءَلُ ولا يتطَيَّرُ وأَصل الفأْل الكلمةُ الحَسنَةُ يسمَعُها عَلِيلٌ فيتَأَوَّلُ منها ما يدل على بُرْئهِ كأَن سَمِعَ منادياً نَادى رَجلاً اسمُه سالِمٌ ... والطّيرَةُ مضادَّةٌ للفَأْلِ وكانَت العَرَبُ تتطير فأَثْبَتَ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلم الفأْلَ واسْتَحْسنَه وأَبْطل الطّيَرَةَ ونَهَى عنها.تاج العروس / ج1 / ص 3120  0


الصورة رقم ( 22 ) إلصاق العروس عجينة على باب غرفتها